السيد أحمد الحسيني الاشكوري

122

المفصل فى تراجم الاعلام

العالم النشط : عاد السيد إلى الكاظمية قبل وفاة والده سنة 1355 وهو في مستوى عال من العلم والفضل ، قد قرّظ أساتذته بعض مؤلفاته بتقاريظ تعبِّر عن مدى إكبارهم له وموقعه العلمي لديهم . كان مولعاً بقراءة الكتب الثقافية المختلفة إلى جانب الكتب الدراسية المنهجية المعهودة في الحوزات العلمية ، فاكتسب بهذا ميزة على كثير من أقرانه الذين لم يتعدوا المنهج الحوزوي الخاص وكان جهدهم محصوراً في إطار معين . ولعه بجمع الكتب والمطالعة فيها منذ صغره ، أوجد فيه حباً عميقاً للتنوع في كسب المعارف والمزيد من شعب الثقافة ، ولذا عندما كان يتحدث يجد مستمعه زحمة من المعارف التي قلما يجدها عند بقية العلماء في الكاظمية . كان يقيم صلاة الجماعة في الصحن الكاظمي الشريف ، فيأتي إلى محل جماعته ساعة قبل صلاة المغرب لقضاء حوائج المؤمنين والإجابة على مسائلهم الشرعية وحلّ مشاكلهم بالقدر الميسور ، ثم يذهب بعد الصلاة إلى بيته متفرغاً للتأليف والقراءة غير مشتغل بشؤون الحياة إلا بالمقدار الذي لابدّ منه . قلّت مراودته مع الناس إلا في بعض المحافل الدينية أو زيارات قصيرة لجماعة من إخوانه المؤمنين في مناسباتهم الخاصة ، كالعودة من الحج أو الرجوع من زيارة الإمام الرضا عليه السلام ، وما إلى ذلك من اللقاءات التي يقصد بها الوجه الديني . أما التبذل في صرف الوقت والمشاركة في مجالس الأنس والفرح ، فهذا شي لم يألفه السيد وكان يعتبر ساعات حياته أغلى وأثمن من أن تبذل في هذه السفاسف والأغراض الرخيصة . كنت أجالسه - في سنوات إقامتي ببغداد والكاظمية - في الصحن الكاظمي الشريف وأتردد عليه في مكتبته ببيته كلما أجد فرصة لزيارته ، وكانت الأحاديث شيِّقة أكثرها تدور حول الكتب والمؤلفين وربما نتطرق إلى أبحاث أدبية وعلمية ، فكنت أستفيد كثيراً من خبراته ومعلوماته المنوعة ويفيدني خالص ما استقاه من مطالعاته الطويلة في مؤلفات القدامي والمعاصرين . ومع أنه كان لا يخلو من حدّة في مزاجه وشدة في بعض نقوده واعتزاز كثير بآرائه العلمية والتأريخية ، كنت أماشيه في التحدث إليه والاستماع إلى ما يفيض ، ولهذا كانت الجلسات تنتهي بخير وأخرج منها مسروراً بنتائجها الثقافية .